الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية استشهد فيها القائد مصباح الجربوع ومدير مدرسة رمادة البشير النبهاني وأبناؤه الاربعة: تفاصيل عن معركة رمادة (24-25 ماي 1958)

نشر في  27 ماي 2018  (13:16)

بقلم الأستاذة فاطمة جراد

قرية رمادة هي واحة تقع على بعد 78كم جنوب شرقي تطاوين، وهي أحد أهم المواقع العسكرية بالبلاد التونسية، إذ شيدت بها القوات الفرنسية منذ سنة 1916 برجا عسكريا لإحكام المراقبة على الحدود الليبية التونسية والمنافذ الصحراوية . 

كانت قرية رمادة مسرحا لمعركة دامية جدّت ليلة 24 - 25 ماي 1958، في اطار ما يعرف بمعركة السيادة لإجلاء بقايا الجيش الفرنسي عن أرض الوطن، كان الحضور العسكري الفرنسي بثكنة رمادة سنة 1958 في حدود 600 عسكري تحت قيادة الجنرال مولو Mollot.

وقد قرّرت الحكومة التونسية تضييق الخناق على بقايا الجيش الفرنسي المرابط بالبلاد التونسية ومحاصرته داخل ثكناته لإجباره على الجلاء بتكاتف العناصر الشعبية من المتطوعين والعناصر العسكرية ولاسيّما بعد الاعتداءات المتكررة على حرمة التراب التونسي منذ شهر ماي 1957 بموجب قانون حق التتبع الذي كانت تمارسه القوات الفرنسية بالجزائر وبعد قصف ساقية سيدي يوسف في 8 فيفري 1958 .
وأمام حالة الاختناق التي أصبحت تعيشها القوات الفرنسية برمادة ، أقدمت تشكيلة من الجيش مساء يوم 24 ماي 1958 على محاولة اجتياز حاجز كنبوت ففتحت عليها القوات التونسية النار لمنعها من التقدم ونصبت كمينا لرتل من الشاحنات كانت قادمة من برج البوف نحو رمادة لتقديم التعزيزات ممّا أسفر على عدد من الجرحى والقتلى من الطرفين .

وفي الليلة الفاصلة بين 24- 25 ماي 1958، عمدت مجموعة أخرى من المتطوعين إلى محاصرة الثكنة وإطلاق النار نحوها محتمية بمدرسة القرية ، مستعملة الاسلحة الخفيفة وقذائف الهاون.

وهو ما اعتبره العقيد مولو تهديدا جديا للثكنة وطلب من قائد القوات الفرنسية بالبلاد التونسية قصف القرية، وهو ما وقع فعلا صباح يوم 25 ماي حيث طال القصف شعاعا امتدّ على 40 كلم حول رمادة للقضاء على وحدات المتطوعين المتمرسين حول رمادة مما أّدّى إلى استشهاد عدد من المتطوعين وفرار الآخرين.
وقد كانت حصيلة أحداث رمادة 38 شهيدا حسب المصادر الوطنية، من أشهرهم القائد مصباح الجربوع ومدير مدرسة رمادة البشير النبهاني و أبناؤه الاربعة، بينما اعترفت القوات الفرنسية في تقاريرها بتصفيتها لـ 58 تونسيا ، ممّا يستدعي مراجعة لقائمة الشهداء. 
ومن الجانب الفرنسي فقد ذكرت المصادر حوالي 8 قتلى و17جريحا. 

قدّمت الدماء التي سالت في أحداث رمادة، دفعا جديدا للحكومة التونسية لمزيد التمسك بجلاء القوات الفرنسية عن التراب التونسي واستنفار الجهد لرفع درجة التعبئة الشعبية وحشد الرأي العام الدولي لصفّها لدعم قضيتها أمام منظمة الأمم المتحدة.

وهو ما أفضى إلى فتح المفاوضات من جديد بين الحكومتين التونسية والفرنسية التي انتهت بإمضاء اتفاق 17 جوان 1958 القاضي بإجلاء الجيش الفرنسي عن كامل المواقع العسكرية المنتشرة بالبلاد من شمالها إلى جنوبها ما عدا قاعدة بنزرت ممّا مثّل خطوة أولى نحو تحقيق الجلاء التام يوم 15 أكتوبر 1963.

وقد خلّدت الدولة التونسية هذه المعركة بإقامة نصب تذكاري وسط مدينة رمادة نقشت عليه أسماء شهداء معركة رمادة وخصص يوم 25 ماي ذكرى سنوية لهذه المعركة . 

من ناحية أخرى فقد ارتبطت قرية رمادة في الذاكرة الوطنية التونسية بالإبعاد السياسي، إذ استقبلت خلال فترة الثلاثينات نحو ثلاثين مناضلا من الحزب الدستوري الجديد وتحوّلت خلال الخمسينات إلى محتشد كبير محاط بالأسلاك الشائكة جمع مئات المبعدين الوطنيين من الحزب الاشتراكي و ناشطات في اتحاد النساء المسلمات.

الأستاذة فاطمة جراد من كتاب "مواقع من الذاكرة الوطنية" (2018) ص ص 2019-2020.